محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

15

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

عن طريق إصدار كتاب سطحي جدا يدعى : الظاهرة القرآنية . وهو كتاب لا يزال يقرأ بشكل واسع ويعلّق عليه حتى الآن . ونلاحظ أن السيد شحرور ، كالكثير من المؤلّفين الآخرين ، يستخدم بعض المقاطع المتبعثرة من المعرفة العلمية المعاصرة ، مازجا بين العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية أو الاجتماعية . وهو يهدف من وراء كل ذلك إلى إعادة تقييم الصحة الإلهية والصلاحية الكونية للقرآن بصفته الكتاب الذي يحتوي على الوحي في اللغة العربية ، وهو يزعم بأنه يعتمد على « معرفة علمية لا تناقش » في إعادة التقييم هذه . وهكذا نلاحظ أن الوحي لم يتعرّض للمساءلة ، ولم يصبح إشكاليا ، وإنما تمّ تثبيته مرة أخرى بالنسبة للمسلمين الذين قد يتعرّض إيمانهم للاهتزاز أو الزعزعة تحت تأثير الفكر العلمي الحديث . أما الصادق بلعيد فيحاول أن يختبر القيمة القانونية للآيات التشريعية الواردة في القرآن . ولكن كتابه لا يحتوي إلّا على مراجع قليلة من الأدبيات الحديثة المختصّة بنقد العقل القانوني . وقد انتهز فرصة المناخ السياسي السائد في تونس والمؤيد بالأحرى لتحديث القانون الإسلامي لكي يؤكّد على بعض الوقائع والمواقف التي أصبحت بمثابة تحصيل حاصل منذ عدّة عقود بالنسبة للفكر الأوروبي أو الغربي . يقول بلعيد بما معناه : إن الآيات المدعوة بالتشريعية كانت قد أعدت للمجتمع القبلي ، وليس للأنظمة القانونية والسياسية الحديثة . فالهمّ الرئيسي للقرآن كان التثقيف الروحي للجنس البشري ، وليس تأسيس نظام سياسي أو بلورة قانون قضائي وتشريعي جديد . إنّ القرآن لا يزوّد المؤمنين بنموذج سياسي ، ولا يستخدم مفردات المعجم السياسي على عكس ما تزعم التفسيرات التبجيلية المنتشرة منذ ظهور جماعة الاخوان المسلمين عام 1928 . فالخطاب التبجيلي يعتبر مغالطة تاريخية كاملة ، وهو أبعد ما يكون عن فكرة تاريخية المعنى . هذا ملخص ما يقوله الصادق بلعيد . ولا ريب في أن هذا النوع من النقد البدائي مفيد وضروري في السياق الحالي المهيمن عليه سوسيولوجيا ، والمهدّد سياسيا ، من قبل الاستخدام الحركي ، الأصولي ، الدوغمائي للنصوص القرآنية . قلت الاستخدام وكان ينبغي أن أقول الافراط في الاستخدام أو التعسّف في الاستخدام . ولكن هذا النقد يعطينا صورة عن التراجع الفكري الذي حصل للفكر الإسلامي طيلة الخمسين سنة الماضية ، أكثر مما يعطينا فكرة عن انبثاق التيارات الجديدة أو المواقع الجديدة لنقد أكثر جذرية . وهو نقد يرتكز على القضايا الأساسية التي أحاول أنا شخصيا إدخالها وإعادة تنشيطها وبعثها بصفتها مساهمة في انجاز المهام الخصوصية لما أدعوه بالعقل الاستطلاعي ، المستقبلي ، المنبثق حديثا « * » .

--> * هذه العقلانية الجديدة التي يدعو إليها أركون يرفض أن يدعوها بمرحلة ما بعد الحداثة ، أو بعقل ما بعد الحداثة ، كما يفعل الكثير من فلاسفة أوروبا وأمريكا . وإنما يخترع لها اسما جديدا هو العقل الاستطلاعي الجديد المنبثق emergente raison la ، وهو عقل يشتمل على عقل الحداثة ويتجاوزه في